المدوّن ليس صحفياً: حين تتحول سرعة النشر إلى خطر على الحقيقة

الحديث عن مهنية الصحافة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لإسكات المدونين أو تقييد حرية التعبير.

المطلوب هو وضع الأمور في نصابها الصحيح.

 

في خضم الجدل المتصاعد حول ملف مدوّني الخارج وما يثار بشأن الابتزاز الإلكتروني وتداول الأخبار والمعطيات غير الموثقة، تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة طرح سؤال أساسي كثيراً ما يتم تجاهله: هل كل من يمتلك صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي ويجمع آلاف المتابعين يمكن اعتباره صحفياً؟

الجواب المهني واضح: لا. المدوّن ليس صحفياً لمجرد أنه يملك جمهوراً واسعاً أو ينشر الأخبار بشكل مستمر.

فالصحافة ليست مجرد امتلاك هاتف ذكي وحساب على فيسبوك أو يوتيوب أو تيك توك، وليست كذلك سباقاً للحصول على أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات. الصحافة مهنة لها قواعد وأخلاقيات وأدوات وآليات للتحقق من المعلومات، ويحتاج ممارسها إلى معرفة كيفية جمع الأخبار، وتقييم المصادر، ومقارنتها، والتحقق من الوثائق والصور والتسجيلات، والتمييز بين الخبر والرأي والإشاعة.

الصحافة تبدأ من التحقق

الصحفي المهني لا يتعامل مع المعلومة باعتبارها حقيقة لمجرد أن شخصاً أرسلها إليه، أو لأن مصدراً مجهولاً نشرها، أو لأنها أصبحت حديث مواقع التواصل الاجتماعي.

بل يبدأ عمله بالسؤال: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وما مدى موثوقية مصدرها؟ وهل يمكن التحقق منها من مصدر مستقل آخر؟

وفي الصحافة المهنية، لا تكفي عبارة “مصدر خاص” لتبرير نشر أي معلومة. فالمصدر يجب أن يكون معروفاً للصحفي، وأن يتم تقييم دوافعه ومصداقيته، وأن تُقارن معلوماته بما يتوفر من معطيات أخرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس سمعة الأشخاص أو المؤسسات أو الأمن أو الحياة الخاصة.

وقد تكون للمصادر السرية أهمية كبيرة في العمل الصحفي، لكنها لا تعني أن الصحفي ينشر كل ما يسمعه دون تحقق. سرية المصدر لا تعني غياب المسؤولية عن المعلومة.

عدد المتابعين لا يصنع صحفياً

من الأخطاء الشائعة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي الخلط بين التأثير الجماهيري والمهنية الصحفية.

قد يمتلك شخص ملايين المتابعين، لكنه لا يكون صحفياً. وقد يكون صحفي محترف يعمل في مؤسسة صغيرة ولا يمتلك إلا جمهوراً محدوداً.

المعيار ليس عدد المتابعين، وإنما طريقة العمل.

فالصحفي يخضع، أو يفترض أن يخضع، لمجموعة من المعايير المهنية، من بينها التحقق، والدقة، والتوازن، ونسبة المعلومات إلى مصادرها، واحترام حق الرد، والتمييز بين الوقائع والآراء، وتصحيح الأخطاء عند وقوعها.

أما المدون، فله الحق الكامل في التعبير عن رأيه ونشر أفكاره، ما دام ملتزماً بالقانون، لكن هذا لا يحوّله تلقائياً إلى صحفي.

وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة: هذا الكلام لا ينتقص من قيمة التدوين ولا من حق أي مواطن في التعبير، وإنما يضع حداً واضحاً بين حرية التعبير وممارسة مهنة الصحافة.

الخطر يبدأ عندما يصبح الادعاء بديلاً عن الخبر

المشكلة لا تكمن في أن يعبّر المدون عن رأيه، بل عندما يقدم معلومات غير متحقق منها على أنها أخبار مؤكدة، أو يبني رواية كاملة على مصدر مجهول، أو يعيد نشر اتهامات خطيرة دون أدلة، ثم يطالب الجمهور بالتعامل معها باعتبارها “صحافة”.

وفي البيئة الرقمية، يمكن لمعلومة غير صحيحة أن تصل إلى عشرات الآلاف خلال دقائق، بينما قد تحتاج الحقيقة ساعات أو أياماً لتظهر.

وهنا تكمن مسؤولية الصحافة المهنية: أن تكون حاجزاً بين المعلومة الخام والجمهور، لا مجرد ناقل سريع لما يتداول على الإنترنت.

التكوين المهني ليس ترفاً

الصحفي لا يتعلم فقط كيفية كتابة عنوان جذاب أو تصوير فيديو قصير. هناك مهارات مهنية أساسية تتعلق بالتحقق من الأخبار، وتقصي الحقائق، والتحقق من الصور والفيديوهات، وفهم الوثائق، واستخدام المصادر المفتوحة، والتعامل مع المصادر البشرية، ومعرفة القواعد القانونية والأخلاقية المرتبطة بالنشر.

وهذه المهارات لا تُكتسب بمجرد امتلاك صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه عند تقييم أي مادة إعلامية ليس: كم عدد الأشخاص الذين شاهدوا هذا المنشور؟

بل: كيف تم الحصول على هذه المعلومة؟ وكيف تم التحقق منها؟ ومن هي المصادر؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل تم منح الأطراف المعنية حق الرد؟

الصحافة المهنية والثقة

الثقة في الصحافة لا تُبنى بعدد المشاهدات، وإنما تتراكم عبر سنوات من العمل المهني.

المؤسسة الإعلامية الجادة تعرف أن خطأ واحداً قد يضر بمصداقيتها، ولذلك تضع إجراءات للتحقق والمراجعة قبل النشر. والصحفي المهني يعرف أن نشر معلومة خاطئة لا يصبح صحيحاً لأنها انتشرت، وأن كثرة المشاركات لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدليل.

وفي المقابل، فإن بعض الحسابات والمنصات قد تبني انتشارها على الإثارة، والتسريبات غير الموثقة، والاتهامات، والعناوين الصادمة، لأن المحتوى المثير يجلب المشاهدات. وهنا تتحول المنصة من وسيلة للتعبير إلى أداة لصناعة روايات يصعب على الجمهور التمييز فيها بين الحقيقة والادعاء.

المطلوب ليس إسكات المدونين

الحديث عن مهنية الصحافة لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لإسكات المدونين أو تقييد حرية التعبير.

المطلوب هو وضع الأمور في نصابها الصحيح.

للمدون حق التعبير، وللمواطن حق النقد، ولأي شخص حق نشر آرائه ومواقفه، لكن عندما يتعلق الأمر بتقديم معلومة باعتبارها خبراً، فإن الجمهور من حقه أن يعرف: هل أمامه صحافة مهنية أم مجرد منشور على مواقع التواصل الاجتماعي؟

فالحرية لا تلغي المسؤولية، والتأثير لا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ، وعدد المتابعين لا يمنح شهادة مهنية.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحاً، أصبح التحقق من الخبر مسؤولية أكبر من سرعة نشره.

وهنا تحديداً تظهر قيمة الصحافة المهنية: ليس دور الصحفي أن يكون أول من ينشر، وإنما أن يكون من أكثر من يمكن الوثوق فيما ينشر.

فالخبر ليس ما يصل إلى الهاتف أولاً، وإنما ما يثبت بعد التحقق. والصحفي ليس من يملك أكبر جمهور، وإنما من يعرف كيف يحمي الحقيقة من التضليل.