بنكيلي..التطبيق الذي صنع الدفع الرقمي في موريتانيا / محمد سالم ولد سيدي محمد
من السهل اليوم أن تجد منشورا ينتقد بنكيلي بسبب عطل أو بطء أو تجربة استخدام غير مرضية، وهذا حق طبيعي لأي مستخدم. لكن من غير المنصف أن تختزل تجربة عمرها سنوات في عطل تقني أو تحديث لم ينجح كما ينبغي.
بنكيلي لم يدخل سوقا موريتانية ناضجة للدفع الرقمي، بل ساهم في صنع هذا السوق نفسه. عندما أطلق البنك الشعبي الموريتاني الخدمة في 2020، بعد الإعلان عنها أواخر 2019 باعتبارها أول بنك متكامل على الهاتف المحمول في موريتانيا، كانت فكرة فتح حساب من الهاتف والتحويل والدفع للتجار ما تزال جديدة لدى قطاع واسع من الموريتانيين.
خلال سنوات قليلة أصبح تحويل المال بالهاتف سلوكا يوميا. ولم يعد غريبا أن تسمع في متجر أو مطعم أو بين شخصين عبارة: “بنكيلي”. وهذه وحدها تكشف حجم التحول الذي أحدثه التطبيق في ثقافة الدفع.
والأرقام أكثر وضوحا. وفق بيانات منشورة استنادًا إلى التقرير السنوي للبنك المركزي الموريتاني لعام 2025، ينفذ بنكيلي نحو 1.1 مليون معاملة يوميا، ويستحوذ على قرابة 80% من عدد معاملات المحافظ المصرفية، ونحو 73.5% من قيمتها، في سوق تضم عدة محافظ منافسة.
هذه النسبة لا تعني أن بنكيلي يملك 80% من أموال موريتانيا، كما يقال أحيانًا، لكنها تعني أن نحو أربع معاملات من كل خمس معاملات عبر المحافظ المصرفية تمر من خلاله. وهذا مستوى من الاستخدام يصعب تفسيره بالدعاية وحدها.
نعم، استفاد بنكيلي من دخوله المبكر إلى السوق، لكن السبق وحده لا يكفي للحفاظ على الصدارة. ظهرت تطبيقات ومحافظ أخرى، ومع ذلك ظل بنكيلي متقدمًا بفارق واسع. السبب هو ما بناه من ثقة وانتشار وشبكة مستخدمين وتجار ووكلاء. في تطبيقات الدفع، لا يكفي أن يكون التطبيق جميلًا أو سريعا، المهم أيضا أن يستخدمه الأشخاص الذين تتعامل معهم يوميًا.
ولهذا يشتكي مستخدم من بنكيلي أحيانا ثم يعود لاستخدامه في اليوم نفسه. فهو لا يختار تطبيقًا فقط، بل يدخل في شبكة واسعة من المستخدمين. هذه الشبكة أصبحت واحدة من أهم نقاط قوة بنكيلي.
ولا يعني الدفاع عنه إنكار أخطائه. الخدمة المالية يفترض أن تكون مستقرة، ومن حق الزبون أن يحتج عندما تتعطل معاملة أو يتوقف التطبيق. كما أن التحديث الأخير، وما صاحبه من ملاحظات تقنية والعودة مؤقتا إلى النسخة السابقة، يستحق المراجعة والنقد. لكن معالجة مشكلة تقنية شيء، والحكم على مشروع كامل بالفشل شيء آخر.
بنكيلي لم يكتف أيضا بتقديم الخدمة، بل استثمر في التسويق والتحفيز، وقدم خلال السنوات الماضية مسابقات وجوائز للمستخدمين والتجار، إضافة إلى مبادرات اجتماعية. ومن الطبيعي أن تكون لهذه الحملات أهداف تسويقية، لكن الإعلان يستطيع جذب المستخدم مرة، ولا يستطيع إجباره على إجراء أكثر من مليون معاملة يوميًا إذا لم يجد في الخدمة قيمة حقيقية.
المنافسة مطلوبة أيضًا، وهي في مصلحة المستخدم. كلما ظهرت محافظ أقوى، اضطر بنكيلي إلى تحسين خدمته، وأصبح أمام الموريتاني خيارات أكثر. لكن منافسة تطبيق بهذا الانتشار لا تكون بمنشورات فيسبوك وحدها، بل ببناء خدمة أكثر موثوقية وشبكة أوسع وتجربة تجعل المستخدم مستعدا فعلا إلى نقل معاملاته إليها.
من حقنا أن ننتقد بنكيلي، ومن واجب البنك الشعبي أن يستمع إلى الشكاوى ويطور الخدمة باستمرار. لكن من الإنصاف أيضًا أن نعطي المشروع حقه.
بنكيلي لم يكتف بأخذ الحصة الأكبر من سوق الدفع الرقمي في موريتانيا، بل ساهم في صناعة هذا السوق، وتعريف الناس به، وتحويل الدفع عبر الهاتف من فكرة جديدة إلى عادة يومية.
وهذا إنجاز لا يمحوه عطل، ولا تختصره حملة على مواقع التواصل.
