موريتانيا التي لا نراها: حين يصبح التراث والطبيعة فرصة اقتصادية | علي محمد امليويح
لو كان التراث يُقاس بعدد الزوار فقط، لكانت موريتانيا من أفقر دول العالم في هذا المجال. ولو كان يُقاس بما نملكه، لكانت من أغناها.
هذه المفارقة تختصر جزءًا كبيرًا من قصتنا.
نحن بلدٌ يستطيع أن يضع الزائر أمام مدينة عمرها قرون، ثم يتركه يبحث عن الطريق إليها. يستطيع أن يأخذه إلى صحراء لا تشبه أي صحراء أخرى، ثم لا يخبره كيف يكتشفها. يستطيع أن يضعه أمام محمية تستقبل ملايين الطيور المهاجرة، ثم لا يحول هذا المشهد إلى تجربة اقتصادية يستفيد منها السكان.
لدينا ما يكفي لنروي قصة مختلفة عن موريتانيا، لكننا لا نزال نرويها أحيانًا بالطريقة القديمة: نذكر ما نملك، ونحتفل به، ثم نعود إلى حياتنا.
المشكلة ليست أن موريتانيا فقيرة بالفرص، بل أننا لم نتعلم بعد كيف نحول ما نملكه إلى فرص.
الثروة التي تسكن خارج دفاتر الحسابات
في النقاش الاقتصادي، نميل إلى النظر إلى الثروة من خلال ما يمكن استخراجه من الأرض: معدن، سمك، غاز، أو غير ذلك. وهي ثروات مهمة بلا شك.
لكن هناك ثروة أخرى لا تُستخرج من باطن الأرض، بل من الذاكرة والمكان والإنسان.
شنقيط، وادان، وولاتة، وتيشيت ليست أسماء لمدن قديمة فحسب. إنها ذاكرة حية لبلد كان جزءًا من حركة التجارة والمعرفة عبر الصحراء. وقد أدرجت هذه المدن الأربع ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
لكن السؤال الذي يجب أن يزعجنا قليلًا هو: كم من هذه القيمة التاريخية يتحول اليوم إلى قيمة اقتصادية يستفيد منها سكان هذه المدن؟
المبنى التاريخي وحده لا يصنع سياحة. والمخطوط، مهما كانت قيمته، لا يجذب الزائر إذا لم يجد طريقة للوصول إليه وفهم قصته. والمدينة العريقة لا تصبح وجهة عالمية لمجرد أنها عريقة.
السائح المعاصر لا يشتري حجرًا قديمًا؛ إنه يشتري تجربة.
يريد أن يمشي في الأزقة، وأن يسمع قصة المكان من شخص يعرفها، وأن يتذوق طعامه، وأن يبيت في بيت تقليدي، وأن يشتري شيئًا مصنوعًا بأيدي أهله، وأن يحمل معه صورة وقصة وذكرى.
وهنا تحديدًا تبدأ الفرصة الاقتصادية.
وادان: حين يتحول التراث إلى حركة اقتصادية
في وادان، أظهرت مهرجانات مدائن التراث أن المدينة التاريخية يمكن أن تتحول، ولو مؤقتًا، إلى مركز ثقافي واقتصادي يستقطب الزوار والفعاليات والمنتجات المحلية.
لكن النجاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون في امتلاء المدينة خلال أيام المهرجان فقط.
السؤال الأصعب هو: ماذا يحدث في اليوم التالي؟
إذا كانت المدينة تستقبل آلاف الزوار خلال مناسبة واحدة، فلماذا لا نستطيع أن نجعل جزءًا من هؤلاء يعودون إليها طوال العام؟
يمكن لدار ضيافة صغيرة أن تكون مشروعًا عائليًا. ويمكن لمرشد محلي أن يحول معرفته بتاريخ المدينة إلى مهنة. ويمكن لحرفية أن تجعل من صناعة تقليدية منتجًا يحمل اسم وادان إلى خارج موريتانيا. ويمكن لشاب أن يصور يومًا في المدينة وينشره بلغات مختلفة، فيجعل شخصًا في أوروبا أو آسيا يتساءل لأول مرة: أين توجد وادان؟
هنا تصبح التكنولوجيا شريكًا للتراث، لا خصمًا له.
لماذا لا يكون التراث وظيفة؟
هذه ربما إحدى أكثر الأسئلة التي نحتاج إلى طرحها بجرأة.
لماذا ننظر إلى التراث باعتباره شيئًا يجب أن نحافظ عليه، ولا ننظر إليه أيضًا باعتباره قطاعًا قادرًا على خلق الوظائف؟
الحرف التقليدية، الأزياء، الموسيقى، العمارة، المخطوطات، الرواية الشفوية، المطبخ المحلي، كلها يمكن أن تكون جزءًا من اقتصاد ثقافي حقيقي.
فطبق «بلقمان» مثلًا ليس مجرد وجبة تقليدية. إنه جزء من ذاكرة اجتماعية يمكن تقديمه للسائح ضمن تجربة غذائية موريتانية. والحرف التقليدية ليست مجرد منتجات للزينة؛ يمكن تطوير تصميمها وتغليفها وتسويقها عبر الإنترنت لتصل إلى أسواق جديدة.
لا يعني ذلك تحويل التراث إلى سلعة بلا روح.
بل يعني العكس تمامًا: أن نجعل الحفاظ على الروح وسيلة لصناعة قيمة جديدة.
بانك دارغوين… ثروة تمشي على أجنحة
وعندما نغادر المدن التاريخية باتجاه الساحل، تظهر موريتانيا أخرى.
في المنتزه الوطني لبانك دارغوين، لا نجد مجرد بحر ورمال. نجد واحدة من أهم المناطق الطبيعية في البلاد، وموقعًا عالميًا للطيور المهاجرة، ومجالًا للحياة البحرية، وفضاءً يرتبط فيه الإنسان بالطبيعة منذ أجيال.
هناك، يمكن أن تصبح الطيور موردًا اقتصاديًا دون أن تُصطاد، ويمكن أن يصبح البحر موردًا سياحيًا دون أن يُستنزف، ويمكن أن تصبح معرفة السكان المحليين جزءًا من تجربة الزائر.
تخيل سائحًا يصل إلى المنطقة لمراقبة الطيور، ويستعين بمرشد محلي، ويقيم في نزل يديره أبناء المنطقة، ويتناول طعامًا محليًا، ويشتري منتجًا تقليديًا، ثم يغادر وهو يحمل صورًا وقصصًا عن موريتانيا.
كم مشروعًا يمكن أن يولد من هذه التجربة؟
السؤال ليس خياليًا. العالم يعرف اليوم اقتصاد السياحة البيئية، ومراقبة الطيور، والسياحة الطبيعية، والتجارب المحلية.
فلماذا لا نأخذ مكاننا في هذا السوق؟
الصحراء التي نعاملها كأنها لا شيء
الأمر نفسه ينطبق على الصحراء.
لقد اعتدنا عليها إلى درجة أننا لم نعد نراها.
بالنسبة إلى الموريتاني، قد تكون الكثبان الرملية جزءًا عاديًا من المشهد. أما بالنسبة إلى شخص يأتي من مدينة مزدحمة، فقد تكون تلك الكثبان تجربة نادرة.
سماء صافية، ليل مليء بالنجوم، مخيم صحراوي، رحلة على طرق القوافل القديمة، قصة عن حياة البدو، وجبة تقليدية حول النار.
كل ذلك يمكن أن يتحول إلى سياحة صحراوية مسؤولة.
لكن لا يمكن بناء هذه الصناعة بعقلية «تعالوا وشاهدوا الصحراء».
نحن بحاجة إلى صناعة تجربة متكاملة، وإلى شركات صغيرة، ومرشدين مدربين، ونزل ومخيمات منظمة، ونقل، وتسويق رقمي، ومعايير واضحة لحماية البيئة.
الشاب الذي يحمل هاتفًا يمكن أن يكون سفيرًا
هنا يصل الحديث إلى الشباب.
ربما تكون أكبر ثروة غير مستغلة في هذه المعادلة هي شاب موريتاني يحمل هاتفًا ذكيًا، يعرف لغات العصر، ويستطيع أن يصور ويكتب ويصمم ويسوق.
لماذا لا يكون هذا الشاب جزءًا من الصناعة السياحية؟
لماذا لا تتحول صناعة المحتوى إلى أداة للتعريف بالمناطق التي لا تظهر في الخرائط السياحية؟
فيديو مدته دقيقة قد يعرّف آلاف الأشخاص بمدينة تاريخية. صورة جيدة قد تجعل مكانًا طبيعيًا حديث الناس. خريطة رقمية قد تسهل على السائح اكتشاف منطقة كاملة.
وفي المقابل، يمكن أن تنشأ حول هذه الحاجة مهن ومشاريع: التصوير، الترجمة، الإرشاد، التصميم، التسويق الرقمي، تطوير التطبيقات، إدارة الحجوزات، النقل، الضيافة والصناعة التقليدية.
التنمية ليست دائمًا مشروعًا بمليارات الدولارات. أحيانًا تبدأ بفكرة يحملها شاب في هاتفه.
لا نريد أن نبيع موريتانيا… بل أن نعرّف العالم بها
هناك، بالطبع، خطر في كل هذا الحديث.
حين يتحول التراث إلى تجارة، قد يفقد معناه. وحين تصبح الطبيعة وجهة سياحية، قد تتحول إلى ضحية للسياحة.
لذلك لا نحتاج إلى سياحة تستهلك موريتانيا، بل إلى سياحة تجعل الحفاظ عليها جزءًا من قيمتها.
لا نريد أن تصبح المدن القديمة مجرد ديكور للسائح. ولا أن تتحول المنتجات التقليدية إلى نسخ بلا هوية. ولا أن تدفع التنمية السياحية السكان المحليين خارج المعادلة.
نريد نموذجًا تكون فيه المجتمعات المحلية صاحبة مصلحة مباشرة في حماية ما تملك.
حين يعرف سكان منطقة ما أن بقاء موقعها الطبيعي سليمًا يعني دخلًا لأبنائها، وأن استمرار الحرفة التقليدية يعني سوقًا لمنتجاتهم، يصبح الحفاظ على التراث والطبيعة مصلحة اقتصادية واجتماعية، وليس مجرد شعار.
حان وقت أن نرى ما أمامنا
موريتانيا لا تحتاج إلى اختراع تاريخ جديد.
تاريخها موجود.
ولا تحتاج إلى استيراد طبيعة جديدة.
صحراؤها وبحرها وواحاتها موجودة.
ولا تحتاج إلى اختراع ثقافة من الصفر.
المحاظر والمخطوطات والموسيقى والحرف والأزياء والمطبخ والقصص الشعبية موجودة.
ما نحتاجه هو عين جديدة ترى القيمة في هذه الأشياء.
عين المستثمر الذي يرى مشروعًا حيث يرى الآخرون موقعًا قديمًا.
وعين الشاب الذي يرى وظيفة حيث يرى الآخرون حرفة تقليدية.
وعين صانع المحتوى الذي يرى قصة حيث يرى الآخرون مشهدًا عاديًا.
وعين صانع القرار الذي يرى قطاعًا اقتصاديًا متكاملًا حيث يرى الآخرون مهرجانًا موسميًا.
ربما آن الأوان أن نكف عن سؤال: ماذا ينقص موريتانيا؟
وأن نبدأ بسؤال أكثر صعوبة:
ماذا نملك، ولماذا لم نستثمر فيه بما يكفي؟
فقد تكون موريتانيا التي نبحث عنها في الخارج، موجودة أصلًا في الداخل.
قد تكون في مكتبة شنقيط، وفي أزقة وادان، وفي ألوان ولاتة، وفي حجارة تيشيت، وفي أجنحة الطيور فوق بانك دارغوين، وفي نار مخيم صحراوي، وفي يد حرفي، وفي طبق تقليدي، وفي هاتف شاب يصور كل ذلك.
نحن لا نفتقر إلى القصص. نحن نفتقر إلى تحويل القصص إلى قيمة.
وعندما ننجح في ذلك، لن يصبح التراث مجرد ماضٍ نحميه، ولا الطبيعة مجرد منظر نصوره، ولا الشباب مجرد جمهور نطالبه بالانتظار.
سيصبح التراث اقتصادًا، والطبيعة فرصة، والشباب قوة إنتاج.
وعندها فقط، سنبدأ في رؤية موريتانيا التي كانت أمام أعيننا طوال الوقت.
