لغة الأرقام ومنطق الدولة: قراءة في خطاب رئيس الجمهورية للرأي العام / علي محمد امليويح
شكل المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني محطة فارقة في مسار التواصل السياسي الوطني، ونموذجاً راقياً لسرداء الحكامة الرشيدة التي تعتمد مكاشفة المواطن وتخاطب الرأي العام بلغة الواقع والأرقام. لقد أثبت اللقاء أن القيادة الوطنية الرصينة تتجاوز الصخب الإعلامي والدعاية الإنشائية لتضع بين يدي المواطن الموريتاني حقيقة المنظومة التنموية والسياسية والأمنية للبلاد، مؤكدة أن مسار الإصلاح يجري وفق رؤية إستراتيجية متكاملة الأركان. ومن خلال هذا الحوار المباشر والشامل، تجلت معالم دولة المؤسسات التي تتخذ من التنمية غاية، ومن سيادة القانون مرتكزاً، ومن خدمة الإنسان الموريتاني المحور الأساس لكل السياسات العمومية.

يبرز جانب الإنجازات والأرقام كشهادة ساطعة على متانة الأداء الحكومي وقدرته على التعاطي المرن مع أعقد الملفات الاقتصادية، حيث قدم فخامة الرئيس قراءة بالأرقام تشهد على النجاح الاستثنائي في إدارة المالية العامة ومواجهة التقلبات العالمية. فقد تجلى الانضباط المالي في التراجع التاريخي والملموس لنسبة الدين العام التي هبطت من تسعين بالمائة سنة ألفين وتسعة عشر إلى حدود أربعين إلى خمسة وأربعين بالمائة، وهو إنجاز مالي غير مسبوق يعكس صرامة التسيير وعقلنة الموارد. ولم يقتصر هذا النجاح على المؤشرات الكلية، بل امتد ليتجسد ميدانياً في تكريس الإنصاف الترابي وتوجيه الموارد المالية نحو المناطق الأكثر احتياجاً، كما برهن عليه ضخ مليارات الأوقية في ولايات كيدي ماغه وكوركول وغيرها، ليتأكد للجميع أن الاستثمار العمومي بات أداة حقيقية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين كافة أرجاء الوطن.
وفي مواجهة المعضلات والتحديات، طرح فخامة رئيس الجمهورية رؤية استراتيجية شجاعة تقدم الحلول العملية بدل الاكتفاء بالتأطير النظري. فتحت محور الأمن الطاقوي وتسيير الثروات الوطنية، جاء التشخيص الرئاسي لملف الغاز والمحروقات حافلاً بالشفافية والواقعية، مميزاً بين وجود المورد الطبيعي في مكامنه وبين تحويله إلى ثروة فعلية تتطلب استثمارات ضخمة وتقنيات عالية وبناء شراكات موثوقة. وتجسدت الحلول في إطلاق مشاريع تخزين إستراتيجية في نواكشوط ونواذيبو وبناء محطات توليد الطاقة الكهربائية بالغاز والمصادر المجددة لتأمين الاستقلالية الطاقوية للبلاد. وفي ملف مكافحة الفساد، تجلت مقاربة الحلول في الابتعاد عن الاستعراض الإعلامي وتصفية الحسابات الشخصية، والاعتماد بدلاً من ذلك على بناء منظومة مؤسسية وقضائية صارمة ومستقلة، تُحيل ملفات الخروقات إلى العدالة وتضمن ألا أحد فوق القانون، بالتوازي مع تعزيز الحكامة ودعم المؤسسات الرقابية.
أما مناخ الانفتاح السياسي والإيجابيات التي كرسها هذا المؤتمر، فقد شكلت عنواناً رئيساً للمرحلة بأكملها، حيث عكس اللقاء حجم التهدئة السياسية غير المسبوقة التي باتت تتمتع بها موريتانيا. وظهر ذلك جلياً في ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل بين مختلف الفرقاء السياسيين وتجاوز خطابات التخوين والإقصاء لصالح الحوار البناء حول القضايا الوطنية الكبرى. كما أظهر فخامة الرئيس وقاراً رئاسياً وسعة صدر استثنائية في التعاطي مع الأسئلة الصحفية، متقبلاً النقد البناء بصدر رحب ومؤكداً أن حرية التعبير حق أصيل ومصان. وجاء الحسم القطعي والصارم بشأن الالتزام التام بالدستور ورفض فتح المأموريات الرئاسية ليقطع الشك باليقين، مكرساً الاحترام العميق للنصوص الدستورية والإرادة الشعبية، ومقدماً درساً حياً في الانضباط السياسي وتداول السلطة بكل تجرد ومسؤولية.

تتجلى حكمة القيادة الوطنية بشكل جلي عند النظر في كيفية إدارة التحديات الكبرى التي تحيط بالبلاد في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد والتأزم. فقد تمكنت موريتانيا، بفضل المقاربة الأمنية الشاملة والمتحسبة التي تقودها القوات المسلحة والأمنية، من أن تظل واحة آمنة ومستقرة في قلب منطقة الساحل المضطربة، مع الحفاظ على التزاماتها الأخلاقية والإنسانية تجاه أشقائها الماليين واللاجئين، والتعامل بحكمة وحسن جوار مع كافة المستجدات الحدودية. كما برز التعامل الصارم مع شبكات الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر لحماية حدود الدولة مع فتح باب الإقامة الشريفة لكل من يحترم قوانين البلد. ويمتد التعاطي الحكيم مع التحديات إلى الملفات الوطنية الحساسة، كمعالجة ملف الإرث الإنساني بروح الإنصاف والتكافل لتضميد الجراح، وتطوير المنظومة القانونية كقانون الرموز لحماية ثوابت الأمة والمؤسسات دون المساس بحرية الإعلام والديمقراطية.
إن هذا المؤتمر الصحفي يمثل وثيقة تواصلية وسياسية متكاملة، تؤكد أن موريتانيا تسير بخطى ثابتة وواثقة نحو المستقبل تحت قيادة تزاوج بين الحكمة السياسيّة والصرامة الإدارية، وتعتمد لغة الأرقام والنتائج للرد على المشككين. لقد أثبت اللقاء أن بناء الدول ورعاية مصالح الشعوب لا يحتاج إلى الصخب والضوضاء السياسية، بل يتطلب الهدوء والعمل الدؤوب والصدق مع المواطن، مع تركيز كافة الجهود والسياسات لخدمة الفئات الهشة، وتمكين الشباب الذين تشكل هذه المأمورية عنواناً رئيسياً لتطلعاتهم، لتبقى مصلحة الوطن واللحمة الوطنية فوق كل اعتبار.
