التمييز الإيجابي: الثروة الحقيقية التي تحتاجها موريتانيا لإنقاذ وحدتها / علي محمد امليويح
تمر المجتمعات الطامحة إلى الاستقرار والتقدم بمنعطفات تاريخية تتطلب مكاشفة شجاعة مع الذات، ولعل أبرز هذه المنعطفات في مسيرتنا الوطنية الموريتانية هو ملف إدماج الفئات الهشة، وفي مقدمتها مكونة “لحراطين”. إن الحديث عن تقدم هذه الفئات لم يعد مجرد ترف فكري أو مطلب فئوي، بل هو ضرورة وجودية لاستدامة السلم الأهلي وتحقيق التنمية الشاملة. وهنا تبرز أهمية التمييز الإيجابي ليس كإجراء استثنائي مؤقت، بل كآلية ديمقراطية عادلة لترميم التصدعات التاريخية وبناء موريتانيا تسع الجميع، حيث إن الفوارق الاقتصادية والاجتماعية التراكمية الناتجة عن مخلفات الماضي لا يمكن علاجها بالوسائل التقليدية، بل تحتاج إلى سياسات موجهة في التعليم، والتوظيف، والتمكين الاقتصادي، تضمن دفع هذه الفئات إلى الأمام وتقليص الفجوة الغائرة بين مكونات المجتمع.
وارتباطاً بهذا المسار التنموي، لا يمكن الحديث عن وحدة وطنية حقيقية وراسخة ما لم ينعكس التنوع العرقي والشرائحي الثري لموريتانيا في مراكز صنع القرار والمناصب السيادية. إن إشراك جميع المكونات الوطنية في قيادة الدفة السياسية والإدارية للبلد يعزز شعور المواطنة والانتماء، فعندما يرى المواطن من لحراطين أو من أي فئة هشة نفسه مُمثَّلاً في أعلى هرم السلطة، وفي الدوائر الدبلوماسية، والأمنية، والقضائية، فإنه يدرك أن هذه الدولة تمثله وتحميه، مما يقطع الطريق أمام خطابات التفرقة والتطرف، ويؤسس لجمهورية المواطنة الحقيقية التي تشمل الجميع دون إقصاء أو تهميش.
وفي سياق هذا الحراك نحو التمكين والشراكة الوطنية، تبرز ظاهرة سلبية بالغة الخطورة تجب مواجهتها بكل حزم وعقلانية؛ إذ غالباً ما يُقابل تعيين أي كادر من “لحراطين” في منصب سامٍ بموجة من التشكيك والتخوين من بعض الأطراف، حيث تُساق ضده اتهامات جاهزة بأنه “باع القضية” أو أن الدولة “اشترت صمته” ليتخلى عن حقوق مجتمعه. إن هذا الطرح ليس مجرد تجني، بل هو مغالطة كبرى وإجحاف صارخ في حق الكفاءات الوطنية، فتعيين الأطر من لحراطين الذين يمتلكون مؤهلات أكاديمية وتجارب مهنية رفيعة هو حق مستحق بقوة القانون والكفاءة، وليس منحة لإسكات الأصوات. إن اتهام الكفاءات بالبيع والمساومة لمجرد تقلد الوظائف العمومية هو حكم جائر، فالنضال من أجل الحقوق لا ينفي حق الفرد في خدمة وطنه من موقع المسؤولية، بل إن وجود الكفاءات النزيهة داخل أجهزة الدولة هو أكبر دعم للقضية وأقصر الطرق لتغيير السياسات من الداخل نحو الأفضل.
إن مستقبل موريتانيا مرهون اليوم بقوة تماسك جبهتها الداخلية، وهذا التماسك لن يتحقق بالخطابات الرنانة، بل بالخطوات العملية الجريئة التي تجعل من التمييز الإيجابي، وضمان التنوع العرقي في مراكز القرار، واحترام كفاءات الفئات الهشة دون تخوين، الركائز الأساسية التي سنعبر بها معاً نحو موريتانيا العدالة، والمساواة، والنماء المستدام.
بقلم: علي محمد امليويح
رئيس تحرير “لبراكنة بوست”
