في كنف السكينة والوقار ” بين منطق الأرقام ومنطق الدولة ” / التوفيق سيدي بكاري
في،_كنف_السكينة_والوقار
بين منطق الأرقام ومنطق الدولة
أثار السؤال الذي طرحه الوزير الأول المختار ولد أجاي، وما أعقبه من رد للوزير السابق سيد أحمد ولد أبوه، ثم النقد الذي قدمه الإطار السامي والمفتش العام للدولة السابق محمد آبه ولد الجيلاني لذلك الرد، قبل أن يتدخل الوزير والدبلوماسي السابق محمد فال ولد بلال، نقاشًا مهمًا تجاوز حدود التفاعل الظرفي ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة القرار العمومي وحدود المقاربة التقنية في تقييم السياسات العامة للدولة.
وقد عكس هذا الجدل حيوية النقاش العمومي وأهمية انخراط الكفاءات الوطنية في تناول القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وهو أمر صحي ومطلوب في أي مجتمع يسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرأي حول الخيارات الوطنية. غير أن بعض القراءات التي صاحبت هذا النقاش بدت وكأنها تختزل القرار محل الجدل في بعده التنفيذي أو الشخصي، بينما يتعلق الأمر في حقيقته بقرار عمومي صادر عن مؤسسات الدولة في إطار مسؤوليتها الجماعية وتوجهاتها الاستراتيجية.
فالقرار العمومي لا يُصنع داخل زاوية تقنية ضيقة، ولا يُبنى على مؤشر واحد مهما بلغت أهميته، وإنما يتشكل من خلال تفاعل معقد بين اعتبارات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وتنموية، تتقاطع جميعها داخل فضاء القرار السيادي. وفي هذا الإطار، تضطلع الحكومة بمسؤوليتها التنفيذية تحت إشراف القيادة السياسية العليا ممثلة في فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، صاحب الشرعية الدستورية والمرجعية في رسم التوجهات الكبرى للدولة.
ومن هنا، فإن الأرقام تظل أداة أساسية للفهم والتشخيص واتخاذ القرار، لكنها ليست وحدها القادرة على الإحاطة بكل أبعاد الواقع. فالاقتصاد نفسه ليس علمًا قائمًا على اليقين المطلق، بل مجال تتداخل فيه التوقعات والسلوكيات البشرية والتحولات الاجتماعية والظروف السياسية، بما يجعل نتائج السياسات العمومية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في الحسابات المجردة وحدها.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار الدرس العميق الذي تقدمه قصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر، حين بدت الأفعال في ظاهرها مخالفة للمنطق المباشر، قبل أن تتكشف حكمتها ومآلاتها لاحقًا. وليس المقصود هنا إجراء أي تشبيه بين الوقائع، وإنما التذكير بمبدأ منهجي مفاده أن محدودية المعطيات المتاحة للمتابع قد تؤدي إلى أحكام جزئية، وأن اكتمال الصورة كثيرًا ما يكون مرتبطًا بفهم السياق العام والمآلات المتوقعة.
غير أن الإقرار بهذا التعقيد لا يعني أبدًا تحصين القرار العمومي من النقاش أو إعفاءه من التقييم والمساءلة، فالنقاش المسؤول يظل أحد أهم أدوات تحسين السياسات العمومية وترشيدها. لكن الفرق كبير بين النقاش الذي يسعى إلى الإحاطة بمختلف أبعاد القرار، والنقاش الذي يختزل قضية مركبة في معيار واحد أو زاوية نظر واحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن المقاربة التي قدمها الوزير السابق سيد أحمد ولد أبوه تظل مقاربة ذات قيمة علمية وتحليلية معتبرة، لأنها تسلط الضوء على جانب مهم من جوانب الموضوع. غير أن القرار العمومي بطبيعته لا يُبنى على الاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل يخضع لمنطق أوسع تتداخل فيه اعتبارات العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي والتوازنات المالية واستدامة السياسات العمومية وحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا الإطار تحديدًا، يبرز جوهر الخيار الذي اعتمدته الدولة، والقائم على عدم الاكتفاء بالدعم الشامل للمحروقات، وإنما الجمع بين التخفيف من آثار ارتفاع الأسعار وتوجيه موارد إضافية نحو الفئات الأقل دخلًا والأكثر حاجة للدعم. وهي مقاربة تنطلق من مبدأ العدالة في توزيع الموارد العمومية، بحيث تصل المساعدة بصورة أكبر إلى من يحتاجها فعلًا، بدل أن يذهب الجزء الأكبر من الدعم إلى الفئات الأكثر استهلاكًا للطاقة والمحروقات.
ولذلك فإن هذا الخيار لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء اقتصادي ظرفي، بل باعتباره تعبيرًا عن رؤية اجتماعية تسعى إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وترسيخ مبدأ الإنصاف في توجيه الموارد العمومية، وهو ما ينسجم مع التوجهات العامة التي تبناها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني منذ بداية مأموريته، والقائمة على توسيع شبكات الأمان الاجتماعي وتقوية آليات دعم الفئات الهشة وتحسين ظروف عيش المواطنين.
إن التحديات الاقتصادية العالمية والإقليمية التي تواجهها الدول اليوم تفرض في كثير من الأحيان خيارات صعبة ومفاضلات معقدة، ولا يمكن لأي سياسة عمومية أن تحقق جميع الأهداف في وقت واحد. غير أن نجاح الدول يقاس بقدرتها على اتخاذ القرارات التي تحقق أكبر قدر من المصلحة العامة وتحافظ على التوازن بين الحاضر والمستقبل، وبين متطلبات الاستجابة الآنية وضرورات الاستدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم هذا التوجه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انحيازًا لأشخاص أو مواقف، بل باعتباره دعمًا لخيار وطني يستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز التماسك الاجتماعي وتوجيه الموارد العمومية نحو الأولويات الأكثر إلحاحًا. كما أن نجاح أي سياسة عمومية يظل رهينًا بتضافر جهود مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، وبمساهمة الجميع في شرح أهدافها للمواطنين وتعزيز الثقة في المؤسسات الوطنية.
وفي نهاية المطاف، يظل الحكم الحقيقي على السياسات العمومية هو ما تحققه من نتائج ملموسة في حياة المواطنين. غير أن تقييمها تقييماً منصفًا يقتضي النظر إليها في إطارها الشامل، لا من خلال زاوية واحدة فقط. فالدولة، في جوهرها، ليست معادلة رياضية يمكن حلها بمتغير واحد، بل منظومة قرار معقدة تُدار بين الأرقام وما لا تقوله الأرقام، بين التحليل وما يتجاوزه، وبين ما يُرى في اللحظة وما لا يتكشف إلا في المآلات.
أ.التوفيق سيدي بكاري اتراورى
