موريتانيا على صفيح التوتر الاجتماعي: بين احتجاجات مناهضة العبودية، خطاب المظلومية، وتحديات الحفاظ على الوحدة الوطنية

يشهد المشهد الموريتاني في الأيام الأخيرة تصاعدًا لافتًا في التوتر المرتبط بملفات العبودية ومخلفاتها، وخطابات الكراهية، وطبيعة تعامل السلطات مع الاحتجاجات والمواقف السياسية والاجتماعية، في سياق يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل التعايش الوطني، وحدود حرية التعبير، وآليات إدارة الأزمات الاجتماعية ذات الحساسية العالية.

فقد فجّرت تصريحات القيادي السياسي والنقابي الساموري ولد بي موجة واسعة من النقاش، بعد حديثه الصريح عن ما اعتبره “استهدافًا ممنهجًا” لمكون الحراطين، وتحذيره من مخاطر استمرار الإقصاء والتمييز، إلى درجة الحديث عن البحث عن “حماية دولية” إذا استمر الوضع على ما وصفه بالنهج الخطير. خطاب ولد بي حمل لهجة إنذارية غير مسبوقة، استدعى فيها التاريخ الاجتماعي والسياسي لموريتانيا، وربط بين الواقع الحالي وما يعتبره مظاهر تهميش بنيوية، داعيًا إلى حوار وطني شامل حول طبيعة الدولة، وضمان المساواة، وإنهاء كل أشكال التمييز.

في المقابل، برزت أصوات تدعو إلى التهدئة وتغليب المعالجة الفكرية والاجتماعية بدل المقاربة الأمنية الصارمة. وفي هذا السياق، انتقدت المهندسه أمّيه جوجه ما وصفته بـ”الردع الخشن”، معتبرًا أن السجون والمحاكمات، سواء طالت شخصيات سياسية أو ناشطين أو متهمين بخطابات مسيئة، لا تعالج جذور الأزمة، بل قد تسهم في توسيع الشرخ الاجتماعي وتعميق الإحساس بالاستهداف المتبادل بين مكونات المجتمع. ويرى هذا الاتجاه أن الحل يكمن في التربية، والحوار، وتحصين المجتمع ثقافيًا ضد الكراهية، بدل تحويل كل استفزاز إلى معركة قضائية.

على الأرض، جاءت التظاهرات المناهضة للعبودية والعنصرية والفساد، وما تبعها من توقيف عشرات النشطاء والمتظاهرين في نواكشوط، لتضيف بعدًا ميدانيًا أكثر حساسية لهذا الملف. فحجم الاعتقالات، وتنوع المشاركين، والرسائل المرفوعة خلال الاحتجاجات، كلها تعكس أن القضية لم تعد مجرد مطالب فئوية ضيقة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال العدالة الاجتماعية، وفعالية الدولة في مواجهة الإرث التاريخي للعبودية، وضمان الحقوق المدنية والسياسية لجميع المواطنين.

وتكشف هذه التطورات أن موريتانيا تقف أمام تحدٍ دقيق: كيف يمكن حماية السلم الأهلي من جهة، وضمان الحق في الاحتجاج والتعبير من جهة أخرى؟ وكيف يمكن مواجهة خطابات الكراهية دون السقوط في توظيف القانون بشكل يزيد الاحتقان؟ فالإفراط في القمع قد يُنتج مظلومية سياسية واجتماعية، بينما التساهل مع التحريض قد يهدد الوحدة الوطنية.

إن الملف اليوم يتجاوز حادثة أو تصريحًا أو مظاهرة بعينها، ليعكس أزمة ثقة متراكمة بين الدولة وبعض مكونات المجتمع، ويؤكد الحاجة إلى مقاربة وطنية جديدة، أكثر شجاعة وشفافية، تعترف بالمشكلات بدل إنكارها، وتؤسس لحوار شامل حول المواطنة والعدالة والإنصاف.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المسؤولية مشتركة بين الدولة، والنخب السياسية، والفاعلين الحقوقيين، وقادة الرأي، من أجل تفادي انزلاق البلاد نحو مزيد من الاستقطاب، والعمل بدلًا من ذلك على بناء مشروع وطني جامع، تكون فيه المساواة وسيادة القانون والحوار، لا التصعيد والكراهية، هي الأساس. فموريتانيا، بتنوعها الاجتماعي والثقافي، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يوحّد لا يفرّق، ويعالج الجراح بجرأة، دون أن يفتح جراحًا جديدة.