حرية التعبير بين الحق والمسؤولية: رؤية في حماية الدولة وصون كرامة المجتمع
تُعدّ حرية التعبير إحدى الركائز الجوهرية لأي نظام ديمقراطي سليم، وواحدة من أهم الآليات التي تمكّن المواطن من الإسهام في الشأن العام وإبداء رأيه في قضايا الوطن. غير أن هذا الحق، كما تقرّه الدساتير والقوانين، ليس مطلقًا ولا منفلتًا من الضوابط؛ بل هو حق مقيد بضرورة احترام حقوق الآخرين وصيانة النظام العام وحماية سمعة الدولة وكرامة المجتمع.
ومن هنا برز اتجاهٌ أول يرى أن ممارسة حرية التعبير تعني أن تتاح لكل فرد إمكانية التعبير عن رأيه بكل مسؤولية، في إطار يحترم القانون ويبتعد عن الإساءة، اعتمادًا على الحجج والدلائل لا على الشائعات والافتراءات. هذا الاتجاه يربط بين الحرية والواجب، وبين الحق وحدوده، إدراكًا أن الكلمة، وإن كانت حرة، فهي قادرة على البناء والهدم معًا.
وفي المقابل، يظهر اتجاهٌ آخر يسعى إلى تفسير الحرية على أنها إباحة مفتوحة لكل أشكال التشويه والتجريح، بدعوى النقد أو الإصلاح، فيتمادى في هتك سمعة الدولة، وتدنيس مقدساتها، والنيل من أعراض الناس وكراماتهم دون مستند قانوني أو سند أخلاقي. ويعتمد أصحاب هذا النهج على الشائعات والاختلاقات، محولين ساحات التواصل إلى منصات بثّ السمية والفتنة، في تجاوز واضح لحدود الحرية، وفي إضرار مباشر بالسلم الاجتماعي والاستقرار الوطني.
أمام هذا الواقع، يقع على عاتق أبناء الوطن الأبرار — أولئك الذين يدركون قيمة أن يكون للإنسان بلدٌ مستقل وآمن ومستقر — أن يقفوا سدًّا منيعًا في وجه هذه الفوضى الأخلاقية والفكرية. فترك الساحة لهؤلاء المخربين يشبه ما قيل في المثل: “أرض العُمي يسودها العور”. إذ إن غياب الأصوات الواعية يفتح الباب أمام أصحاب الأوهام لتقديم أنفسهم كمرجعية، بينما هم في الحقيقة مصدر تهديد للمجتمع ولما تحقق فيه من أمن وسكينة.
إن حماية البلد ليست مهمة جهة بعينها، ولا ترتبط بانتماء دون آخر؛ بل هي واجب وطني يقع على الجميع، مهما اختلفت اتجاهاتهم أو مرجعياتهم. فالأوطان تبنى بالوعي لا بالضجيج، وتُصان بالصدق لا بالافتراء، وتُقوّى بالنقد المسؤول لا بالهدم الأعمى.
ومهما تكن في أي بلد من نواقص — وهي موجودة بطبيعة الحال — فإن تجاوزها لا يكون بالصخب ولا بالافتراءات، بل بالحكمة والصبر والعمل الجاد، وبإشاعة ثقافة احترام القانون والتزام حدود النقاش الشريف. فالتقدم لا يتحقق إلا حين تتوازن الحرية مع المسؤولية، وحين تُوجَّه الكلمة لتكون وسيلة للإصلاح لا معولًا للهدم.
بقلم : الأستاذ التوفيق سيدي بكاري عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف
