ريادة الأعمال والاقتصاد الوطني / محمد طالب بوبكر

ريادة الأعمال هي الترجمة لكلمة Entrepreneurship بالإنجليزية، ولُغويا يُقصد بها من يسعى أو يريد تحقيق عمل ما، واصطلاحيًا تعني عملية تصميم عمل جديد وإطلاقه وتشغيله، غالبًا ما يبدأ ذلك العمل بذرةً صغيرةً يعمل رواد الأعمال على رعايتها حتى تصبح قطبًا مؤثرًا سواء كان قطبًا محليًا أو عالميًا.
إدارة الأعمال فتهتم بتفاصيل العمل الداخلية لا سيما الفنية والتقنية. وتكاد تتطابق المهارات المطلوبة في المجالين، فهما وثيقا الصلة في الأصل، وإن اختلفا في الفنيات؛ فليس ضروريًا أن يكون رائد الأعمال متخصصًا في المحاسبة أو الشؤون القانونية أو التسويق، كما أن المحاسب والمحامي والمسوق ليسوا بالضرورة على رؤية شاملة للعمل من منظور خارجي. والأفضل أن يتمتع كل طرف بفكرة مبدئية عن عمل الطرف الآخر مع إتقان تخصصه، تطبيقًا
للمثل القائل: “اعرف كل شيء عن شيء، وشيئًا عن كل شيء”.
وتعتبر ريادة الأعمال من الحقول الهامة والواعدة في اقتصاديات الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية على حد سواء، وتفسر هذه لأهمية الدور الكبير لريادة الأعمال في سياق التنمية الاقتصادية وتجديد النسيج الاقتصادي للدول والمجتمعات من خلال إعادة التوازن للأسواق ورفع من مستويات الإنتاج وتشجيع الابتكار والإبداع والقضاء على البطالة، وتوفر فرص عمل، فضلا عن التواضع في مؤهلات العمالة المطلوبة مما يعزز دورها في امتصاص البطالة التي في الأغلب تتصف بتدني مستواها التعليمي والمهني وخاصة البلدان النامية، وقدرة ريادة الأعمال في التأقلم تبعاً لاحتياجات السوق المتغيرة، والمساهمة في تلبية بعض من احتياجات المشروعات الكبيرة سواء بالمواد الأولية أو الاحتياجات الأساسية.
يُنظر إلى رواد الأعمال على أنهم من الأصول الوطنية التي يلزم رعايتها وتحفيزها، فهم قادرون على تغيير أعمالنا وحياتنا، وقد تحسن ابتكاراتهم معايير الحياة، وتحقيق الثروات وتوفير فرص العمل، وفيما يلي أبرز الفوائد التي تحققها ريادة العمال للاقتصاد الوطني:
1- تعزيز نمو الاقتصاد توفر ريادة الأعمال منتجات وخدمات جديدة قد تُحدث ما يُعرف باسم “تأثير الشلال”؛ أي أن هذه العناصر الجديدة تحفز الأعمال أو القطاعات المتعلقة بها، ما يعزز النمو الاقتصادي في النهاية. على سبيل المثال، مع ابتكار قطاع تكنولوجيا المعلومات وتوسعه توسعًا سريعًا، انتعشت معه قطاعات أخرى مثل مراكز الاتصالات لخدمة العملاء وشركات صيانة الشبكات ومزودي الأجهزة الإلكترونية. كما استفاد منه قطاع المؤسسات التعليمية والتدريبية التي استثمرت في منصات التعليم الإلكتروني ما أدى إلى توفير فرص عمل وزيادة فرص التعلم وتقليل الإنفاق على المواصلات وضياع الوقت في الانتقالات وتوفير تلك الساعات وهذا المال لأمور أخرى. بالمثل استفادت منه شركات التطوير العقاري في بناء المساكن والامتداد العمراني مع هجرة العمال إلى المدن نظرًا لنمو فرص العمل بها.
2- رواد الأعمال يزيدون الدخل القومي مشروعات ريادة الأعمال توفر ثروات جديدة؛ فالشركات القائمة بالفعل قد تكون وصلت إلى أقصى قدر لها في السوق والعائد، لكن المنتجات الجديدة المُحسّنة تمكن تطوير الأسواق وتوفير موارد رزق جديدة. كما أن زيادة التوظيف والعوائد المرتفعة تحسن الدخل القومي نظرًا لزيادة الضرائب والإنفاق الحكومي. وهذا العائد بدوره يمكن أن تستثمره الحكومات في القطاعات التي تعاني من مشكلات أو في بناء الإنسان.
3- رواد الأعمال يغيرون المجتمع من خلال تقديم خدمات ومنتجات جديدة، يكسر رواد الأعمال العادات التي عفي عليها الزمن والأنظمة والتقنيات القديمة، ما يُحسّن جودة الحياة والمعنويات وحرية الاقتصاد. على سبيل المثال، قد تتوقف الحياة والأعمال في المناطق التي تعاني من ندرة المياه بسبب الانشغال بجمع المياه. الآن تخيل ابتكار مضخة آلية قادرة على استخراج المياه من باطن الأرض. لا شك أن ذلك سيجعل الناس قادرين على التركيز على أداء وظائفهم دون القلق من توفير مطلب أساسي كالمياه، كما يوفر عدد ساعات كانت تضيع في جلب المياه، وهذا يعزز النمو الاقتصادي في هذا المجتمع المحلي، ويصب في مآل الأمر في الاقتصاد الكلي. نضرب مثالًا آخر عصريًا بالهواتف الذكية التي أحدثت ثورة في العالم ولم تترك بيتًا إلا دخلته ما أحدث تأثير دائمًا في الدنيا كلها. وتلك التكنولوجيا ليست حصرية على العالم المتقدم فقط، فالدول النامية الآن تتمتع بالأدوات نفسها في الدول الأغنى. أي أن رواد الأعمال من الدول النامية قادرون على منافسة نظرائهم في الدول الأغنى، ما يخلق تنافسية تؤدي إلى تحسين الخدمات والمنتجات وتقليل الأسعار، وهذه كله يصب في صالح الاقتصاد.
4- تطوير المجتمع كثيرًا ما يمول رواد الأعمال المشروعات المنفتحة الأخرى ويستثمرون في المشروعات المجتمعية ويوفرون دعمًا ماليًا للأعمال الخيرية المحلية، محققين بذلك نجاحًا يتجاوز مشروعهم. فبعض رواد الأعمال المشاهير مثل بيل جيتس موّل قضايا مجتمعية مثل التعليم والصحة.
يركِّز عددٌ كبيرٌ من روّاد الأعمال على توفير المنتجات المستوردة من الخارج، بجودة مناسبة، وأسعار أقل، ما يسهم في دعم العملة الوطنية، وتعزيز الميزان التجاري للدولة، وتقليل الإنفاق على الاستيراد، ويحقِّق فوائض في الميزانية، ويساهم في تعزيز الاقتصاد الوطني.

ويمكن للحكومة تعزيز ريادة الأعمال والنمو الاقتصادي لبلد عن طريق إنشاء سياسات وبرامج تدعم إنشاء وتطوير الأعمال الجديدة. ويمكن أن يشمل ذلك توفير الوصول إلى التمويل، وتقديم حوافز ضريبية، وتقليل الحواجز أمام دخول المشاريع الجديدة. ومن خلال تعزيز ريادة الأعمال، يمكن للحكومات خلق بيئة تشجع على الابتكار والاستعداد للمخاطرة، مما يؤدي إلى النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل.

لاكن هناك تحديّات كبيرة لريادة الأعمال؛مثل الثقافة المجتمعية وضعف الدخل وقلة مستوى المعيشة والروتين الحكومي وعدم تشجيع الدولة للاستثمار وخلق بيئة أعمال مناسبة للشباب.

وفي الخلاصة، فإن ريادة الأعمال والتنمية الاقتصادية مرتبطتان بشكل وثيق، من حيث تأثير على مؤشرات الاقتصاد الكلي للدولة من خلال تحفيز الاقتصاد بمشروعات جديدة صغيرة للشباب وتستقبل أيضًا فئات في المجتمع مثل ذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل وغيرها لتصبح قوة اجتماعية منتجة ومحفزة، ورفع الضغط عن الحكومات في إيجاد فرص العمل في الأجهزة الحكومية، كما أن هناك عوائد اقتصادية للحكومات من تشجيع ريادة الأعمال مثل ارتفاع حصيلة الضرائب في الموازنة العامة للدولة بالإضافة إلى العوائد الاجتماعية؛ مثل تقليل نسب البطالة وخفض معادلات الجريمة وتقليل نسب الهجرة.